المسافة التي يشرع فيها قصر الصلاة في السفر

أكثر أهل العلم بل جمهورهم على أنه لا يجوز القصر في مطلق السفر؛ بل لابد من مسافة لجواز القصر، وأكثرهم على أنه لا يجوز القصر في أدنى من مسيرة يوم تام.

قال ابن المنذر: عامة العلماء يقولون مسيرة يوم تام، وبه نأخذ، وبه قال الأوزاعي.

ورُوي عن جماعة من السلف رحمهم الله ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم. فقال الأوزاعي: كان أنس يقصر فيما يينه وبين خمسة فراسخ، وكان قبيصة بن ذؤيب وهانىء بن كلثوم وابن محيريز يقصرون فيما بين الرملة وبيت المقدس.

وذهب جماعة إلى أنه لا يجوز القصر في أقل من مسيرة يومين وهي أربعة بُرُدٍ أو ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية (حوالي 81 كيلو مترًا) وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن البصري والزهري ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.

وقال آخرون: لا يجوز القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام، وبه يقول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – وسويد بن غَفَلة والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن بن صالح والثوري وأبو حنيفة،

وعن أبي حنيفة أنه يجوز في يومين وأكثر الثالث وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن.

وقال داود: يقصر في طويل السفر وقصيره. قال الشيخ أبو حامد: حتى قال (يعني داود): لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر.

ورُوي عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه أنه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه فقال: أردت أن أعلمكم سننكم.

وعن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط – رضي الله عنه – إلى قرية على رأس سبعة عشر ميلًا أو ثمانية عشر ميلًا فصلى ركعتين فقلت له؟ فقال: رأيت عمر بن الخطاب يصلِّي بالحليفة ركعتين وقال: إنما فعلت كما رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – يفعل. رواه مسلم.

ورُوي أن دحية الكلبي خرج من قرية من دمشق مرةً إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه أناس وكره آخرون أن يفطروا؛ فلمَّا رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أني أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. يقول ذلك للذين صاموا قبل. رواه أبو داود (1).

مغ ج 2 ص 91، 92.


(1) انظر مج ج 4 ص 191، بداية ج 1 ص 221.